سلّط الباحث سورافيل تسفاي الضوء في مستهل تحليله على الضربات التي نفذتها القوات المصرية ضد مواقع للتعدين الأهلي عن الذهب قرب منطقة حلايب الحدودية في يونيو 2026، وما أعقبها من صمت لافت للجيش السوداني رغم سقوط ضحايا مدنيين من أبناء القبائل المحلية. ورأى الكاتب أن هذا الصمت لم يعكس عجزاً سياسياً بقدر ما عكس حسابات استراتيجية معقدة تحكم العلاقة بين القاهرة والخرطوم في ظل الحرب الأهلية السودانية.
وأوضح موقع هورن ريفيو أن التطورات الأخيرة كشفت حجم الترابط بين المصالح الأمنية والاقتصادية للبلدين، خصوصاً مع اعتماد جزء من تجارة الذهب السودانية غير الرسمية على العبور نحو السوق المصرية، الأمر الذي جعل ملف الذهب عاملاً مؤثراً في صياغة سياسات الحدود والتعاون العسكري بين الطرفين.
المصالح الاقتصادية وراء الضربات الحدودية
ربط التحليل بين الضربات المصرية وبين سعي القاهرة إلى إحكام السيطرة على حركة الذهب في المناطق الحدودية. وأشار إلى أن توسع أنشطة التعدين الأهلي خلال سنوات الحرب خلق شبكات مستقلة للتجارة والتهريب خارج الأطر الرسمية، ما أثار مخاوف مصر من فقدان القدرة على ضبط تدفقات الذهب القادمة من السودان.
ورأى الكاتب أن الهدف الأساسي لم يكن وقف استخراج الذهب، بل تفكيك الشبكات غير الخاضعة للرقابة الحكومية وإعادة توجيه التجارة نحو قنوات أكثر انضباطاً. وفي هذا السياق، اكتسبت مناطق التعدين أهمية استثنائية لأنها تحولت إلى مراكز لتبادل الذهب والوقود والسلع المختلفة، فضلاً عن ارتباطها بعمليات تهريب عبر الحدود.
وأضاف التحليل أن القاهرة استفادت اقتصادياً خلال السنوات الأولى من الحرب السودانية نتيجة زيادة تدفقات الذهب، إلا أن تنامي الأسواق غير المنظمة قرب الحدود دفعها إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
لماذا اختار الجيش السوداني الصمت؟
فسّر الكاتب موقف الجيش السوداني باعتباره نتاجاً لحسابات البقاء في مواجهة قوات الدعم السريع. فالقاهرة تُعد من أبرز الداعمين للجيش السوداني، وأي مواجهة سياسية أو دبلوماسية معها قد تضعف موقفه في الحرب الدائرة داخل البلاد.
وأشار إلى أن إدانة الضربات علناً كانت ستفتح باباً لأزمة مع حليف رئيسي يحتاج إليه الجيش السوداني في هذه المرحلة الحساسة. وفي المقابل، لا تستطيع مصر أيضاً المضي بعيداً في التصعيد، لأن استقرار الولايات الشرقية السودانية يمثل مصلحة استراتيجية لها، خاصة أن انهيار تلك المناطق قد يخلق فراغاً أمنياً واسعاً على حدودها الجنوبية.
ولذلك فضّل الجيش السوداني، بحسب التحليل، إدارة الأزمة بهدوء عبر تعزيز وجوده العسكري في المنطقة بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع القاهرة. كما أدرك أن استمرار التعاون مع مصر أكثر أهمية من الدخول في خلاف قد يهدد توازنات الحرب الحالية.
انتشار القوات السودانية وحماية شريان الذهب
تناول التحليل أسباب نشر القوات السودانية على الحدود عقب الضربات الجوية، معتبراً أن الخطوة هدفت إلى تحقيق عدة أهداف متداخلة. فمن ناحية، أراد الجيش إظهار قدرته على حماية السيادة الوطنية وطمأنة الرأي العام المحلي بعد مقتل مدنيين سودانيين. ومن ناحية أخرى، سعى إلى احتواء غضب القبائل المحلية ومنع أي أعمال انتقامية قد تؤدي إلى تصعيد مع الجانب المصري.
وأكد الكاتب أن العامل الاقتصادي لعب دوراً محورياً في القرار، إذ تعتمد السلطات السودانية بدرجة كبيرة على عائدات الذهب لتمويل عملياتها العسكرية والحفاظ على مواردها المالية. لذلك سعت إلى فرض رقابة أكبر على مناطق التعدين وضمان استمرار تدفق الإيرادات بعيداً عن الفوضى والتهريب غير المنضبط.
وخلص التحليل إلى أن ما جرى لا يعكس انهيار العلاقات المصرية السودانية، بل يكشف طبيعة العلاقة المعقدة بين الطرفين، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الاحتياجات الاقتصادية. فمصر تحتاج إلى استمرار تدفق الذهب السوداني واستقرار حدودها الجنوبية، بينما يحتاج الجيش السوداني إلى الدعم المصري للحفاظ على موقعه في الحرب الأهلية.
ومن هذا المنطلق، بدا الصمت السوداني والانتشار العسكري اللاحق جزءاً من تفاهم غير معلن يهدف إلى حماية المصالح المشتركة وتجنب مواجهة قد تضر بالجانبين في مرحلة تتسم بقدر كبير من الاضطراب وعدم اليقين.
https://hornreview.org/2026/06/22/why-the-saf-kept-silent-when-egypt-bombed-sudans-gold-mines/

